Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

سلمى­­



ما زال منذ وفاة زوجته قبل أربع سنوات ونيف عاقد النية على رعاية طفلتيه الصغيرتين بنفسه. وما زاده التعب الذي يتراكم يوما بعد يوم إلا حبا وتقديرا لزوجته الراحلة، التي أرته الأيام كم كانت عظيمة.
 
كان أهله وأصدقاؤه دائمي الإصرار على زواجه مرة أخرى؛ إذ لا بد له من زوجة ترعاه وتدبـِّر شؤون بيته، وتأخذ ابنتيه تحت جناحيها، فتكون لهما أما وحضنا دافئا. لكنه لم يرفض في حياته شيئا كما كان يرفض تلك الفكرة التي لم يقع في نفسه أبغض منها.
 
كانت له شقة صغيرة ورثها عن والده الذي رحل منذ سنوات. فقرر أن يؤجرها وأن يرصد أجرتها لحساب ابنتيه، حتى إذا ما ألحقه القدر بزوجه، كان للبنتين ما يقيهما شر الانكسار للناس. وكان يدير أمر بيته براتبه الشهري الذي يتقاضاه من وظيفته.
 
كان يتأخر أحيانا عن العودة للمنزل عندما تجبره ظروف العمل على ذلك، ولم يكن لديه أي مناص من أن يطلب من جيرانه أن يستضيفوا إبنتيه ساعة او ساعتين أو حتى تعفو أعباء العمل عنه، ثم يكيل لهم من عبارات الشكر والعرفان ما يفيض عن الحاجة ليرجع بعد ذلك إلى البيت منهكا تماما، لا يرد على لسانه ورد سوى: ما أقسى رحيلك يا سلمى...
 
في أحد الأيام، وقبل عودة بناته من المدرسة، وإذا بابنة الجيران تطرق الباب وتجر حقيبتين كبيرتين كانت قد وضعت فيهما ما اتسعتا من المتاع بعد أن طلقها زوجها وردها إلى بيت أهلها، وبينما هي تبكي وتشتم ذلك الرجل، الذي كان زوجها، طرقت البنتان الباب، ودخلتا، فوجدتا بنت الجيران تبكي، فقامت إحداهما ببراءة الأطفال ومسحت الدموع عن خديها وقالت: أنت عندك أم فلماذا تبكين؟
 
أوقفها كلام الطفلة عن البكاء، وراحت الأفكار تتناوح في رأسها. ثم أخذت تبدي اهتمامها بابنتي سلمى ورعايتهما. فصار أبوهما يركن إليها يوما بعد يوم حتى اطمأنت نفسه لها، فوقعت في خاطره فكرة الزواج بها...!
 
كان يسكنه اليقين بأنها لن تكون أبدا كسلمى، لكنه لم يعد يقوى وحده على ملئ ذلك الفضاء الفسيح الذي أفرغه القدر منها. فساقته هذه الفكرة وراءها حتى أسلمته إلى أحضانها، فورثت عرش سلمى.
 
وعلى الرغم من بداهة الأمر، إلا أنه أوجس في نفسه خيفة حين بلغه نبأ حملها. واختلط في نفسه الفرح بالخوف من المسؤولية القادمة. ثم ما إن حمل طفله الجديد بين يديه حتى احتل الفرح كل مساحات نفسه.
 
وخلعت وريثة سلمى على ابنها لقب "ولي العهد" وكانت تحرص على مناداته بهذا اللقب. أما أبوه فما زال يدخر أجرة الشقة لإبنتيه، لكن الوريثة لم تعد لتقبل بذلك بعد خروج ولي العهد للحياة، فهو الصبي والرجل القادم، ولا بد من استشراف مستقبله وحيازة كل ما يمكن حيازته، إذ لا تدري نفس ماذا تكسب ولا تدري نفس بأي أرض تموت...
 
وعلى غير المأمول، ولكن كما جرت العادة وأخبرت الروايات، لم يهدأ بال أم الصبي حتى انحرف مسار أجرة البيت من حساب البنتين إلى "ولي العهد" لأنه عندما يكبر ستصبح عليه مسؤوليات وأعباء، أما البنتين فعبؤهما على زوجيهما. وظلت تسعى بنفس الهمة حتى بسطت نفوذها على الميزانية بكاملها وانتقلت مدخرات البنتين إلى حساب أخيهما.
 
لم يكن يشعر أبدا بالمساواة بين معاملة زوجه الجديدة لإبنيته وماعملته لإبنها، حتى عندما تمرض إحدى بناته كانت تغلي لها بعض الأعشاب، دون اكتراث إن كانت نافعة لحالها أم غير نافعة، ثم إذا تعاطفت أكثر لا تزيد على أن تختار لها من الصيدلية دواء علق بذاكرتها منذ سنوات. في حين لم تكن تتأخر في إعلان حالة الطوارئ إذا سعل طفلها، فتجري به إلى المشفى. ولما كان يعاتبها على تحميل الأمر أكثر مما يحتمل تقول: "هادة إبني، يعني قبل ما يقح بدي أوديه على أحسن مستشفى يقح هناك ويرجع."...!
 
وكعادتها اتصلت به تخبره بأن الطفل يتقيأ وتبدو عليه أعراض الحمى والإجهاد، ثم بدأ يشعر بألم في الأطراف وتيبس في الرقبة. أما هو فاستقبل الأمر بفتور، لأنه اعتاد منها تهويل كل ما يتعلق بإبنها. فأخبرها بأنه سينقله إلى المشفى حين ينجز عمله ويعود إلى المنزل.
 
لاحظ الطبيب التوتر غير المسبوق الذي يسيطر على والدي الطفل، لكنه لم يجد بدا من إخبارهما بأن مناعة طفلهما لم تكن كافية لتحول دون وصول ذلك الفيروس اللعين، المسمى "بوليو"، للجهاز العصبي، وإصابة الخلايا الجذعية في النخاع الشوكي...
 
ظهرت على الأطراف السفلية أعراض الشلل، ومع زيادة تلف الخلايا الحركية أصابته تشنجات في العضلات. ثم خيمت عليه مرحلة الشلل...
 
ظل الطفل رازحا تحت وطأة هذه الحال عشرين يوما، والصدمة ما زالت مسيطرة على أركان والديه، ثم بدأت تلك الأعراض تتراجع وتنسحب، تاركة وراءها إعاقة دائمة للطفل...
 
لم يكن يدور في خلده وهو يشاهد "ولي عهده" فريسة بين فكي "شلل الأطفال" سوى تلك العبارة: ما أقسى رحيلك يا سلمى.
 
كان كثيرا ما يسخط على سلمى لأنها رحلت من حياته. وكثيرا ما يسخط على زوجته الثانية لأنها دخلتها. وعاد بذاكرته إلى الوراء، عندما كان يحنو على ابنتيه، ويدخر المال لهما، ويركض طيلة يومه ليأخذهما آخر النهار تحت ذراعية كعصفورتين صغيرتين، مخلوفتين من براءة وطهارة محضة، ثم يخيم شبح تلك الأفعى التي شربت كل الرحيق من كؤوس الزهر، وحولته إلى سم أفرغته في جسم ابنها الوحيد.
 
اعتزلها زوجها، وأعاد ابنتيه إلى أحضانه وهو ممتلئ بالخجل إلى حد الإشباع. وبدأت أم الطفل تدرك بأنها تدفع الآن فاتورة قسوتها وظلمها وأنانيتها...
 
وأدركت بأن "ولي العهد" سيحتاج إلى رعاية أختيه، فأرادت أن تهدم أسوار التفرقة التي أنفقت سنوات من العمر ترفعها في نفوس الأطفال الثلاثة. وأقحمت نفسها من جديد في نفس زوجها الذي أصبح يبغضها كل البغض.
 
كم أحب أن أراك وأنت تلعب معهما، وكم اشتقت لأن نلعب معكم نحن أيضا. آن الأوان لنقبل ما كـُتـِبَ وقدِّر. ونلتفُّ حول بعضنا البعض. فـ"أطفالنا" يكبرون، وهم بحاجة إلى أسرة متماسكة ومحبة، تأكل من طبق واحد، وتنفق من جيب واحد، وتنام على فراش واحد...
 
قالت البنت الكبرى التي استمعت إلى حديث زوجة أبيها: نحن أسرة محبة ومتماسكة. أسرة كانت سعيدة عندما كانت أمي هي الملكة فيها، ومع أنها الآن أقل سعادة إلا أنها ما زالت بخير لأن أبي ما زال الملك فيها. لا داعي لأن تخافي على أخينا منا، فرغم اختلاف الأم سيظل يجمعنا به أب واحد. سنكون دائما كما ورثنا عن ماما سلمى.
 
لن تأخذنا به أبدا شماتة، ولكن أكثر ما يعجبني في هذه الدنيا أنها لا تقف أبدا، دائما تدور، "وكل واحد بيجيله دور".
 
 



أيار 2017 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
293012345
6789101112
13141516171819
20212223242526
272829303112
3456789

اخر الأخبار

فارمسي ون تفتتح فرع شارع مكة 2 "خدمة السيارات "

اعلنت مجموعة فارمسي ون عن النجاح الكبير الذي حققه ...

فارمسي ون تطلق خدمة السيارات في فرعها الجديد "عبدون 4 "

اطلقت مجموعة فارمسي ون خدمة السيارات في فرعها الجد...

فارمسي ون تشارك في اليوم الطبي بأمانة عمان

شاركت مجموعة فارمسي ون باليوم الطبي المجاني مع اما...
عرض المزيد

النشرة الدورية