Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

تمارا



 كانت تمنعه حالته المادية وظروف عمله الجائرة من محاولة التقرب إليها. وبعد سنوات من الكد والتعب والادخار قرر أن يهاتفها ويطلب منها فرصةً للقاء. وبعد سنة ونيـِّف من المحاولات التي لم تعرف اليأس نجح أخيرا في انتزاع موعدٍ للقاءٍ سريعٍ  مع الفتاة التي سكنت أركانه منذ أن كان طالبا في سنته الجامعية السابعة والأخيرة...
 
في بادئ الأمر كانت ترفض لقاءه لأنها لا تعرفه؛ فكانت هذه الحـُجَّةُ خطَّ دفاعها الأول. وكان هو لا يكلُّ ولا يملُّ من تكثيف هجماته "التعريفية" فكان يزجُّ بها في حواراتٍ طويلةٍ "عبر الانترنت" جعلتها تشعر وكأنها تشاركه أدق تفاصيل حياته، حتى فقد أسلوبُها الدفاعي جدواه. فاتخذت حصنا دفاعيا جديدا من حفنةٍ من العادات والتقاليد تنص على أنَّ مثلَ هذا اللقاءِ "عيب..."
 
وتحت وطأة الإصرار المتواصل قررت أن تحنو عليه، وتمنح "نفسها" فرصةً خاطفةً لتلتقي به في معرضٍ للكتاب ليكونَ اللقاءُ على هيئةِ "صدفة"؛ فلعله يكون شابا وسيما و"قصده شريف"...!
 
وتمت هذه الصدفة "المدروسة جيدا" بنجاح. وعاد إلي بيته محملا بالسرور لدرجة الامتلاء... وعادت هي وقد ملأها الغرور لدرجة الإشباع. وكانت جعبتها قد امتلأت بنص الرواية التي ستسردها على والدتها التي تبوح لها بكل تفاصيل يومياتها، ولكن وجود والدها غير المعتاد في المنزل بدَّد كل ما كان يدور في خلدها في تلك اللحظة من تفاصيل ليحلَّ محلها سؤال عفوي: "خير ماما شو صاير؟ ليش بابا هون...؟!"
 
أجابتها بأنه غادر العمل لأن ظهره يؤلمه. لكن جوابها لم يكن كافيا لإقناع تمارا؛ فقالت: هذا ليس جديدا، فهو يشكو من ذلك الانزلاق الغضروفي منذ فترة..! وهو مداوم على العلاج والأدوية والمسكنات، والحمد لله هو لايجهد نفسه أبدا، ويفترض أنه يوشك على الشفاء..! قالت أمها: هذا ما حصل؛ اشتد عليه الألم فعاد إلى المنزل يصارعه هنا  ولست أعرف للتخفيف عنه سبيلا...
 
لم يستطع ذلك الشاب الصبر طويلا بعد لقائه بفتاة أحلامه، فهاتفها ليعبر لها عن سعادته برؤيتها، وليحاول أن يستشعر وقع هذا اللقاء في نفسها...
 
أخبرته بأنها في مزاج سيء بسبب ذلك الألم الذي يعذب والدها منذ أكثر من شهر، وقالت بسخط: أنتم الأطباء قساة؛ لماذا تصفون للمرضى أدوية لا تشفي؟
 
كانت هذه مفاجأة غير متوقعة؛ إذ وجد نفسه أمام باب مفتوح على مصراعيه ليستحوذ على انتباهها وهو على يقين بأنها الآن تصغي لكل كلمة باهتمام بالغ، وقد كان من قبل يختلق الأعذار والحجج ليبدأ بسرد قصصه وتفاصيل حياته كمتسولٍ يغرق سيدةً ميسورةَ الحالِ بتفاصيلِ سيرةِ حياتِه البائسةِ لتجودَ لهُ بشيءٍ زهيدٍ مما يسميه هو "مالاً " وتسميه هي "فكـَّة"...
 
نحن لا نصف للمرضى أدوية لا تشفي؛ فليست الأدوية التي لا تشفي يا تمارا؛ ولكنها الاستجابة لهذه الأدوية هي التي تختلف من مريض إلى آخر. وعند انفتاق القرص الغضروفي فإن الجزء الهلامي الداخلي للقرص يسبب الضغط على الحبل الشوكي أو الأعصاب القريبة منه، فيسبب ذلك ألما على امتداد المنطقة التي يغذيها هذا العصب؛ وهي على الغالب أسفل الظهر والناحية الخلفية من الفخذ والساق كما هو الحال مع والدك...
 
ولكن الطبيب بعد أن رأى نتائج الرنين المغناطيسي وصف لأبي دواءً وعلاجا طبيعيا وأوصاه بالراحة على أمل أن يتعافى في غضون شهر. وقد مضى على ذلك شهر ونصف وهو ما زال يرزح تحت وطأة الألم...!؟
 
ليس في الأمر غرابة ٌ حتى الآن، إذ ليس هناك من اختبار هذا العلاج التحفظي بدٌ، ففي أغلب الحالات يكون العلاج التحفظي مفيدا وشافيا بحيث يجنب المريض الخضوع لعملية جراحية في عموده الفقري...
كانت فكرة العملية الجراحية مرفوضة تماما بالنسبة لتمارا وأهلها جميعهم، فقد كانوا لا يخافون شيئا أكثر من خوفهم من العمليات الجراحية. خصوصا عندما تكون في جزء بحساسية وأهمية العمود الفقري، فقد كانوا يفضلون الاستمرار على العلاج التحفظي وإن طالت معه الأيام والألم على أن يعبث أحد بذلك الجزء الذي لا يقبل الخطأ...
 
جميع الجراحات يا تمارا لا تقبل الخطأ، ولكنها دائما الخيار الأخير. وعندما لا يملك الدواء والعلاج القدرةَ على ردعِ المرض وطردِ الألم، فإن الجراحةَ هي الحلُّ الوحيدُ وإلا سيزدادُ الألمُ حدةً، ويُخشى على حركةِ الساقِ والقدمِ من الضعفِ والضمور. وقد أصبحت هذه الجراحة مع تقدم الطب آمنةً جدا، فما هي إلا جرحٌ صغيرٌ لا يتجاوز ثلاثة سنتيمترات لعملِ نافذةٍ بين الفقراتِ والتعرفِ على العصبِ المسغيث، ثم اسئصال ذلك الجزء من الغضروف الضاغط عليه. وسيختصر والدك شهورا بل سنينا من الألم بهذه الساعة الجراحية التي لن يشعر بألمها لأنها تتم تحت التخدير التام...
 
استطاعت كلماته أن تغير ذلك الرأي المتحجر في رأس تمارا، واستطاعت هي أن تحولها لفكرة مقبولة عند أهلها، ومرحبٍ بها جدا في نفس والدها الذي أفقده الألمُ صبرَه...
 
تفانى الشاب في اقتناص هذه الفرصة لترتيب شؤون الجراحة من ألفها إلى يائها، وكانت تمارا مـُشـَبـَّعةً باليقين بأنه سيختار لها الأفضل بين الأطباء، والأفضل بين المشافي، وسيقوم بكل ما هو لازم من التوصيات لإنجاز هذا الأمر على أفضل ما يرام، لأنها تدرك بأنه يعمل بقلبه ولا يبتغي من وراء ذلك سوى "استمالة قلبها..."
 
أستغرقت العملية الجراحية خمسين دقيقة، ثم صحا بعدها وهو يشعر بأن الألم قد رحل...! ورحل أيضا القلق والخوف الذان سكنا قلوب زوجه وابنته وأولاده الثلاثة، وغمرهم السرور وهم يرونه قد نجح في المشي والحركة في اليوم التالي للعملية. ثم لم يعد لذلك الجرح الصغير الذي خلفته الجراحة مكان وسط هذه البهجة كلها فشعر بالخجل وانتظر حتى الصباح ورحل هو الآخر...
 
وكان الشاب يداوم على الاتصال بتمارا طيلة الأسابيع الثلاثة الأولى التاليات للعملية بحجة الاطمئنان على والدها، ثم يتقافز بين المواضيع برشاقته المعهودة، ويستطرد فيها أيما استطراد، ثم لا يوقفه شيء إلا تمارا، التي ينفد صبرها ووقتها وهي تبادله الحديث؛ حديثا لا ينتهي، بل لا يريد أن ينتهي، تمضى الفكرة فتولد مكانها أفكار كثيرة...
 
قضى مع تمارا فصلا من حياتها حرجا جدا، عاش فيه معها تفاصيل جراحة والدها كلها منذ لحظة تقبلها للفكرة حتى عودة والدها إلى عمله وممارسة حياته بشكل طبيعي. وكانت تلقي له بكل همومها ومخاوفها، وتبوح له بكل ما يعصف بها من عواطف تجاه والدها وأهلها. وكانت كلما اشتد بها القلق تعود بذاكرتها فتسرد له قصصا تحكي كل ما هو جميل من سيرة والدها، فكان يمنحها أذنا صاغية وقلبا مفتوحا...
 
بعد أن أنضجت تلك المرحلةُ فكرةَ زواجِه منها، قرر أن يجد طريقة رومانسية يخبرها بها برغبته من الزواج منها. فانتهت به الأفكار إلى أن يشتري لها خاتما ذهبيا ذو ميزة فريدة؛ إذا لبسته في يدها اليمنى دلَّ على أنها مخطوبة، وإذا نقلته لليسرى دلَّ على أنها متزوجة. وعندما تحضر لموعد الغداء سيخرج الخاتم من علبته الصغيرة ليجعله في بنصرها الأيمن بعد أن يخبرها بأنه مستعد لأن يشاركها حياته، ويتقدم من أهله لخطبتها، لتكون عروسه حتى آخر لحظة في هذا العمر...
 
راقت له الفكرة، واختار لها خاتما ذهبيا ثمينا، وتقدم بطلبِ إجازةٍ من عمله في اليوم الذي يوافق عطلتها الأسبوعية، وقام بالتنسيق مع أحد المطاعم الراقية ليوفـِّرَ له كلَّ ما يلزم من ترتيبات رومانسية لتأريخ اللحظة التي ستكون الأجمل في حياته...
 
وفي المساء، هاتفها ليدعوها للغداء وقلبُه يكادُ يفرُّ من بينِ أضلاعه المتراقصةِ من شدةِ الفرحِ، فأجابته كما كانت تجيبه من قبل: متى ستنتهي دعواتـُك هذه؟ ألم تئدْ تلكَ الفكرةَ بعد؟ قلتُ لكَ يا صديقي ألفَ مرةٍ "إنسى الموضوع..."
 



أيار 2017 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
293012345
6789101112
13141516171819
20212223242526
272829303112
3456789

اخر الأخبار

فارمسي ون تفتتح فرع شارع مكة 2 "خدمة السيارات "

اعلنت مجموعة فارمسي ون عن النجاح الكبير الذي حققه ...

فارمسي ون تطلق خدمة السيارات في فرعها الجديد "عبدون 4 "

اطلقت مجموعة فارمسي ون خدمة السيارات في فرعها الجد...

فارمسي ون تشارك في اليوم الطبي بأمانة عمان

شاركت مجموعة فارمسي ون باليوم الطبي المجاني مع اما...
عرض المزيد

النشرة الدورية