Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

الصفحة الرئيسية >> قصة >> نسرين / بقلم حمزة حمّاد

نسرين / بقلم حمزة حمّاد


في حديقة منزله الصغير، بدأت المصابيح تتلالأ مودعة الشمس التي راحت تشرق في ناحية أخرى من الأرض، لتمنح الناس شيئا من الراحة، بعد أن كدوا وتعبوا تحت أشعتها منذ ساعة شروقها.
وأشرقت شمس أخرى من داخل المنزل. نظرت إلى والدها بابتسامة هادئة وجلست بقربه ليسمعها بعض الإطراء ويمنحها شيئا من الدلال الذي اعتادت عليه.
لم يستطع أخوها الذي يصغرها بعام واحد، والذي راقب المشهد المعتاد من بعيد، أن يترك أخته تستمتع بتلك اللحظات الجميلة، فتسلل إلى خلف المقعد وألقى على ساقها لعبة صغيرة على شكل فأر. هو يعرف أن لهذا المخلوق قدرة خارقة على إخافتها، وهي خطة مجربة على كل حال، لم تفشل في السابق ولم تفشل الآن؛ بل كانت نتائجها هذه المرة أكثر من رائعة، إذ قفزت نسرين قفزة عالية فوق المقعد وألقت بنفسها في حضن والدها وسط موجة من الصراخ خالطته ضحكات أخيها الذي لم يستطع أن يحبسها في نفسه كثيرا.
أصرت أن تلحق به وتوسعه ضربا، وهو بدوره قرر أن ينجو بنفسه ويهرب قبل أن تمسكه أخته وتثأر منه. وراحا يتراكضان في أرجاء الحديقة وحلق أبوهما إلى عالم آخر تاركا على شفتيه تلك الابتسامة التي رسمها هذا المشهد الجميل المرح.
ثم أعادته زوجته إلى الأرض ثانية؛ وهي تحمل صينية الشاي وتضعها على الطاولة التي أمامه. وبدون أن ينبس ببنت شفة حضن زوجته بحنان وقبلها قبلة دافئة بصمت. نظرت إليه بما يشبه الدهشة، فوجه نظرها إلى نسرين وأخيها وما زالت الابتسامة ذاتها على شفتيه.
انظري إلى نسرين، لقد أصبحت عروسا. عما قريب سيطرق بابنا الشبان يطلبون القرب منا. وسيرهقنا التقييم والسؤال. وانظري إلى أخيها، عما قريب ستطرقين لأجله محارات كثيرة بحثا عن لؤلؤة تناسبه. لا أريد أن أطرق أبوابا في الغربة ولا أن يطرق بابي غريب. أتينا إلى هنا من أجلهم ومن أجلهم يجب أن نعود.
اختاروا بالإجماع بيتا جميلا صغيرا في الوطن. يطل على حديقة جميلة، تتمشى فيها نسرين في الأصيل لتبدد الملل، بعد أن ودعت صديقاتها ورحلت.
في الحديقة، كانت فتاة يافعة أخفى جمالها الشحوب، تجلس وحدها على مقعد خشبي يقابل نافورة الماء المضيئة. جلست نسرين بجانبها بلطف وراحت تحادثها وتحاول أن تصادقها، وسرها أن الفتاة كانت لطيفة بما يكفي لتستجيب لها وتبادلها أطراف الحديث.
قامت نسرين وصديقتها الجديدة تمشيان في طرقات الحديقة، وفجأة توقفت الفتاة الشاحبة وسقطت على الأرض ترتجف مطلقة صرخة مخنوقة ومخيفة وجسمها كله قد تشنج.
لم يكن ثمة أي حاجة لأن تطلب نسرين المساعدة من رواد الحديقة، فقد كانت صرخة الفتاة كافية لجعل الحديقة تتحلق حولها. بعضهم ينظر بشفقة وبعضهم باستغراب وتساؤل. تقدمت نحوها امرأة أربعينية وأمالتها على جانبها الأيمن وتركتها كذلك وقالت أتركوها هكذا.
أحد الشباب لم يقنعه هذا التصرف، فأراد أن يحملها ويأخذها إلى المشفى ليسعفها غير آبه لكلام المرأة الأربعينية؛ فصفعته وقالت: اتركها وابتعد. واذهبوا جميعا في سبيلكم، شكرا لكم، ستفيق الآن، وتصبح على ما يرام.
غادر الشاب حانقا وابتعد الناس وعيونهم ما زالت تتفقد الفتاة من بعيد. حتى المرأة الأربعينية غادرت وتركت الفتاة مع نسرين.
عندما أفاقت الفتاة، نظرت حولها، فلم تجد أحدا، سوى نسرين. وضعت نسرين رأس الفتاة في حجرها وراحت تلعب بخصلات شعرها البني الخروبي المجعد. كانت عينا نسرين تتراقصان من الفرح وهي ترى صديقتها الجديدة تفيق وملامح الدهشة ترتسم على وجهها بدلا من ملامح الألم؟
ماذا جرى لك؟ لقد كنت طبيعية جدا ثم وقعت فجأة على الأرض وأخذت تصرخين؟ ماذا جرى؟
قالت الفتاة الشاحبة: لا شي. فجأة رأيت أضواء مختلفة وكثيرة ثم أذكر بأني وقعت. بعد ذلك وجدتك تضعين رأسي في حجرك وتلعبين بشعري.
بدهشة وشك نظرت نسرين إلى الفتاة وسألتها عن الفترة التي قفزت عن تفصيلها برشاقة؟ لأن هذا ما تريد معرفته؟
تبسمت الفتاة وقالت: لا شيء والله لاشي.
والصرخة المخنوقة؟ والاهتزازات واللعاب الذي كان ينزل من فمك؟ هل كنت نائمة مثلا وتحلمين؟
ابتسامة أخرى من الفتاة: أنا يا نسرين مريضة بالصرع. وهذه نوبة تتكرر كثيرا. عندما أسقط على الأرض أكون في حالة غيبوبة ولا أشعر بشيء. الصرخات المخنوقة هي بسبب التشنجات لأن حنجرتي وحتى الأوتار الصوتية في حالة تشنج. لهذا تصدر مني صرخات تبدو مؤلمة ومخيفة ولكني لا أشعر بألم. أكثر ما يؤلمني في هذه النوبات هو عندما أفيق وأجد الناس قد أحاطوا بي، ينظرون إلي بشفقة، وبعضهم يظن أني مجنونة، وآخرون يظنون أني مسكونة بالجن. لماذا يجتمع الناس حول الناس ويتركون لخيالاتهم العنان ولا يتركون الناس في حالهم؟
أهذا فقط هو المؤلم؟ كأن الخطب أعظم من ذلك.
لا. ليس أعظم من ذلك ولا أهون. كأن الكهرباء انقطعت عن الدماغ فانطفئ، ويغيب الوعي، ثم يعود التيار الكهربائي ويعود كل شيء إلى ما كان عليه. هذا هو كل ما في الأمر. وأكثر ما يؤلمني هو نظرة الناس التي تجلدني. ويحزنني أنني لا أعرف متى ستأتي هذه النوبة فأتجنب الناس في تلك الساعة. المشكلة أنها لحظات فقط وأدخل في الغيبوبة. ثم أفيق لأجد نفسي وسط جمهور يجلدني بلا سوط...
 
ولماذا لا تواظبين على الدواء؟ أو تحلي المشكلة نهائيا بعملية جراحية تريحك إلى الأبد؟
لا تقلقي نفسك كثيراً بهذا الامر ، فالنوبة حين تأتي ما هي الا دقيقة او اكثر قليلاً ، لكني اكون طبيعية قبلها وبعدها ، وأستطيع ممارسة حياتي كأي إنسان آخر. و على كل حال فإن الطبيب الذي أزوره وأستشيرة مختص بإضرابات الدماغ والاعصاب يعينني على التعامل مع هذه النوبات ويساعدني كثيراً ولو كان في الجراحة خلاصي لاوصى بها .
 
بدت الفتاة أقل شحوبا وأكثر سعادة، عندما عرضت عليها نسرين بإصرار أن توصلها إلى بيتها. كان عرضا غريبا؛ فنسرين لا تملك سيارة ولكنها ستوصل صديقتها سيرا على الأقدام...
 
 



كانون الأول 2017 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
2526272829301
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
303112345

اخر الأخبار

 المستشفيات الخاصة تنظم ورشة تدريبية حول التعقم

نظّمت جمعية المستشفيات الخاصة ورشة تدريبية للمستشف...

فخر للأردن شركة وادي الاردن لتنظيم المؤتمرات بقيادة حنا نصار

تألقت الاردن في المؤتمرات التي عقدت فيها هذه السنة...

دائرة طب الأطفال في الخدمات الطبية الملكية تقيم مؤتمرها الدولي الثاني

جوهارت - افتتح مدير عام الخدمات الطبية الملكية الل...
عرض المزيد

النشرة الدورية