Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

الصفحة الرئيسية >> التحاليل الطبية >> موتٌ في الباحة الخلفية /د. لميس السويطي اللوزي

موتٌ في الباحة الخلفية /د. لميس السويطي اللوزي


ففي العام 1989 في مدينة كاردبف/ويلز الإنجليزية، كان عمال البناء يقومون بأعمال تجديد في الباحة الخلفية لبناء قديم عندما ضَرب الفأس جسماً صلباً، وعندما قام العمال بالكشف داخل التراب وجدوا قطعةً من السجاد البالي وعند فتح السجادة ظهر أمامهم هيكل عظمي وجمجمة وقد التفت بقناع بلاستيكي و تناثرت بقايا عظام حوله . تم استدعاء الشرطة وخبراء الطب الجنائي ولكنهم وقفوا عاجزين عن
فعل أي شئ، فكيف تقوم بالتحقيق في قضية عندما لا تملك إلا هيكلا عظمياً بدون إسم.
 
كانت هذه القضية من أصعب قضايا البحث الجنائي وكانت التحديات كبيرة، فأول عمل يجب القيام به هو إعطاءُ هوية للهيكل العظمي المتناثر تحت سجادة كانت قد دفنت منذ زمن مجهول. لم يكن بإمكان
الطبيب الشرعي أن يُثبت بأن الشخص المجهول قد قتل أم كان موتأً طبيعياً إذ لم يكن هناك ما يمكن فحصه في الهيكل العظمي إلا إثبات أن الهيكل يعود لبقايا بشرية وتحديد الجنس حيث وجد أنه يعود لإنثى عمرها ما بين الخامسة عشر الى العشرين. السؤال الذي حَير الشُرطة كان لماذا لم يتصل أحد ما للإبلاغ عن فقدان أو موت هذه الضحية؟؟؟
 
الشئ الوحيد الذي امتلكته الشرطة بالإضافة الى السجادة والعظام هو موقع الدفن!!!!
أسرار الشقة السفلية كان موقع الدفن قريباً من الشقة السفلية لمبنى مُقَسم الى عدة شقق تُؤجر بأسعار زهيدة. كانت الشرطة متأكدة من أن من كان يستأجر تلك الشقة السفلية على علم بما حدث في باحة
شقته، لذا بدأت الشرطة تحقيقها حول من سكن تلك الشقة في الأعوام الماضية. للأسف اكتشفت الشرطة أن ذلك الحي ولقلة اسعار الأجرة فيه ضم العديد من مروجي المخدرات والمتعاطين وغيرهم من المجرمين وأصحاب السوابق، واكتشفت الشرطة ايضاً ان المستأجرين كانوا يمضون أياماً
أو اسابيعاً فقط وأغلبهم كان يرحل سريعاً مما جعل حصرهم شبه مستحيل مما زاد في تعقيد القضية.
 
وفي محاولة لمعرفة أية معلومات عن القضية قامت الشرطة بإرسال فك الجمجمة لطبيب أسنان الذي حدد عمر الضحية بحوالي الخامسة عشر من العمر ومن خلال فجوة في منطقة الفك تحمل لوناً مائلاً الى السواد قرر الطبيب بأن تلك العلامة تحصل للشخص إذا تعرض للخنق يدوياً، بناءاً على ذلك تم التعامل مع قضية الجثة المجهولة الهوية كجريمة قتل.
 
يضع سره في أضعف خلقه
استعانت الشرطة بعالم للحشرات في محاولة لمعرفة الفترة الزمنية لدفن الجثة واستند عالم الحشرات في تحليله على نوع الحشرات وبقاياها والمدة الزمنية اللازمة للحشرات لتعرية اللحم عن العظم واستطاع العالم أن يقدر الفترة الزمنية بحوالي خمسة سنوات. كان هذا أول دليل قد يساعد في حصر أسماء المستأجرين اللذين سكنوا الطابق السفلي في ذلك الوقت. بناءاً على ذلك استنتج المحققون بأن الجثة
قد تكون دفنت ما بين عام 1981 الى 1984 . بالرغم من فرحة المحققين بهذا الدليل إلا انهم ما زالوا بحاجة لمعرفة هوية الجثة وسبب مقتلها. احتاج المحققون الى دليل قوي لمعرفة من استأجر الشقة السفلية وكان ذلك صعباً جداً ولحسن حظهم وجدوا سيدة تقطن في المبنى وكانت مسؤولة عن  المستأجرين وقد احتفظت بسجل كامل كتبت فيه أسماء المستأجرين ومن ضمنهم من قطنوا الشقة السفلية ما بين 1981 الى 1984 .
 
سر السجادة الدفينة
عندما تم انتشال الجثة المجهولة، لوحظ انها كانت ملفوفة بقطعة من السجاد ذات رسوم مميزة، وبعد الإطلاع على سجل المستأجرين تم رصد أحد الأشخاص من أصحاب السوابق والذي سكن الشقة السفلية عام 1982 . قبل أن تفكر الشرطة بإستجواب المشتبه به كان لا بد من التأكد من مصدر السجادة وهل فعلاً كانت موجودة في الشقة السفلية للمبنى؟ توجه المحققون للسيدة التي كانت مسؤولة عن الشقة
والتى أكدت أن السجادة مصدرها الشقة السفلية وأفادت بأنها قامت بنفسها بإنتقاء اللون والرسوم التى عليها. إذن الجثة المجهولة تم قتلها في الشقة ولفها بقطعة من السجادة من داخل الشقة السفلية كانت تلك أدلة مهمة جداً من تحقيق بدأ بلا أية أدلة. ولكن يبقى السؤال من هي صاحبة الجثة المجهولة؟
الجمجمة تلبس وجهاً كان الأمل الوحيد للمحققيين أن يتعرف أحدهم على وجه الجثة المجهولة ولكن هل يستطيع العلم أن يضع وجهاً لجمجمة الجثة المجهولة؟ استعانت الشرطة بأحد العلماء وهو ريتشارد نيف وهو استاذ في الطب الجنائي في جامعة مانشستر ليعيد بناء وجه للجمجمة معتمداً على بروز العظام وتجويف العين ولون الشعر الذي كان ما زال معلقاً على جمجمة القتيلة. كانت هذه اول مرة في تاريخ الطب الجنائي في العالم يستخدم فيها العلماء بناء وجه لجمجمة مجهولة.
 
كانت العملية طويلة ومُتعبة واستطاع ريتشارد انهاؤها في خمسة أيام. والان بعد ستة أسابيع من  كتشاف الجثة اصبح لها وجه!!!!! قامت الشرطة بنشر الوجه في الصحف وعلى التلفاز وبعد يومين قامت اثنتان من العاملات بإعطاء إسم للوجه ألا وهو كارين برايس!!! قامت الشرطة بالإتصال
بوالديها اللذين اكدوا اختفاءها منذ عشر سنوات وأفادوا بأنها كانت طفلة كثيرة الهروب من المنزل وتتعاطى المخدرات، لذا لم ييلغوا عن اختفاءها. قامت الشرطة بأخذ صورة لكارين من عند والديها ولاحظت الشرطة الشبه الكبير ما بين صورة كارين ووجه كارين الذي أعاد العالم ريتشارد بناءه
فقد كان الشبه مُذهلاً.
 
استنساخ الحمض النووي
لم يكن بالإمكان أن تعتمد الشرطة على تعرف الأهل والمعارف على الجثة عبر إعادة بناء وجه الجمجمة، كان لا بد من دليل مادي يثبت بأن الجثة فعلاً هي كارين برايس، هنا عمدت الشرطة للإستعانة بالبروفيسور سو بلاك وهي من أفضل العلماء في الحمض النووي، وبعد أن تم أخذ عينات
من العظام للجثة المجهولة وعينات من والدي كارين وجدت عالمة البحث الجناىي أن كمية الحمض النووي من عظام الجثة غير كافية للتحليل.
في عام 1990 كان فحص الحمض النووي في بداياته ولكن العالمة سو طورت تقنية جديدة يتم بواسطتها تكثير الحمض النووي واستنساخ ملايين النسخ منه من عينة صغيرة وتم لإول مرة في تاريخ البشرية استخدام هذة التقنية لإستنساخ كمية كبيرة من الحمض النووي المستخلص من عظام الجثة المجهولة ومقارنته بالحمض النووي لوالدي كارين برايس وأتت النتيجة مطابقة وتم إعطاء الجثة أخيراً وبدون أي شك اسم كارين برايس. كانت التقنية الجديدة ثورة كبيرة في عالم الطب الجنائي في كل انحاء العالم.
 
العلم والعدالة
بعد أن تم إثبات هوية القتيلة، تم نشر صورتها الحقيقية في الجرائد وعلى شاشات التلفاز عام 1990 وقامت الشرطة بمناشدة المجتمع المحلي بالإدلاء بأية معلومات حول كارين برايس وبالفعل تقدم العديد ممن كان يعرف تلك المشردة الصغيرة وتم ربط اسمها بشخص كان يقطن الشقة السفلية وكانت كارين تتواجد معه هناك كثيراً وكان اسم ذلك الشخص الان تشارلتون. كان الان شخص عنيف وكان مفترس يستهدف الفئة المستضعفة من النساء لإستغلالهم في حفلات ماجنة في الشقة السفلية حيث كان يقطن منذ عام 1981 وأخيراً تقدم احد شهودالعيان الذي كان متواجداً في الشقة حين قتلت كارين برايس بقصة صادمة.
قال الشاهد بأنه كان يعمل مع الان تشارلتون لإحياء حفلات مدفوعة الأجر وكان يزوده بفتيات للرقص والخدمة في تلك الحفلات وأفاد بأنه هو من أحضر كارين للحفلة، وأفاد بأن الان تشارلتون طلب من كارين أن تسمح له بتصويرها بثياب فاضحة وعندما رفضت كارين التصوير غضب الان وقام
بقتلها خنقاً، وقام الشاهد بمساعدة الان على لف الجثة بالسجادة ودفنها في حديقة الشقة السفلية. تمت محاكمة كل من الان تشارلتون والشاهد الذي تورط معه وحكم عليهم بالسجن المؤبد.
في خلال ثلاثة أشهر تم حل قضية قتل قديمة اكتشفت بالصدفة بفضل العمل الدقيق والعلمي الذي قام به المحققون.
ومع أن كارين كانت مشردة لم يسأل عنها أحد حتى أهلها إلا أن العدالة قد تحققت لها ولو بعد حين «وفوق كل ذي علم عليم..
 
الدكتورة لميس السويطي اللوزي
استشارية علم الدم والمناعة
مديرة مختبرات المؤتمن الطبي
 
 



شباط 2019 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
2627282930311
2345678
9101112131415
16171819202122
2324252627281
2345678

اخر الأخبار

الحموري يثمن الاهتمام الملكي والحكومة بالسياحة العلاجية والاستشفائية

رحب رئيس جمعية المستشفيات الخاصة الدكتور فوزي الحم...

المؤتمر الاردني- الروسي الثاني برعاية سعادة فيصل الفايز

جوهارت - عقدت الجمعية الاردنية للأطباء الدارسين با...

المؤتمر الاردني- الروسي الثاني برعاية سعادة فيصل الفايز

جوهارت - عقدت الجمعية الاردنية للأطباء الدارسين با...
عرض المزيد

النشرة الدورية