Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

الصفحة الرئيسية >> قصة >> عبير / بقلم حمزة حمّاد

عبير / بقلم حمزة حمّاد


 وأخيرا، وبعد أن ضاع العريس الثالث عشر من بين يديها، وصلت إلى قناعة راسخة بأن وزنها غير مقبول في عقود الزواج. ومقاس ثيابها لا يتوافق مع أنظمة الزواج بمختلف أنواعها؛ لا التقليدية منها ولا الرومانسية، ولا ما يترنَّحُ بينهما.
أخبرت صديقتها بأنها قد عقدت العزم على زيارة عيادة التجميل لتأخذ رأي الطبيب فيما يمكن أن يساعدها به للتخلص من هذه الدهون التي لم تجدِ معها نفعا لا حمية ولا رياضة. وكانت صديقتها (الأجمل قواما منها والأكثر زهوّا) تحب أن ترافقها إلى أي مكان؛ المهم أن تخرج من البيت لتصطاد بحجرها الواحد عصفورين معا: (تغير الجو) وتأمل أن يقع في غرامها شاب مقبل على الزواج فتولد قصة الحب التقليدية ذاتها التي ولد منها ملايين التوائم حتى الآن، والتي ما زالت الأيام بمثلها حبلى.
طمئنها الطبيب بأن مشكلتها لن تدوم، وأن هذه الدهون العميقة التي لم تتغير بتغير معدلات الغذاء والرياضة يمكن أن تحقن بمادة لإذابتها وشفطها عن طريق فتحة صغيرة جدا، أصغر من الأنملة، بين ثنايا الجلد. يمكن من خلالها إزالة حتى ثماني كيلو غرامات في جلسة واحدة، تتراوح مدتها بين الساعة والساعتين، تكون خلالها تحت التخدير التام..!
وبكل ما أوتيت من حماس، أخضعت نفسها للجراحة، وكلها أمل بأن العريس الرابع عشر لن يفلت من قبضتها كما أفلت قبله السابقون. وبحماس لا يقل عن حماسها، كانت صديقتها تترقب النتائج؛ يخالجها قلق دفين من سرقة الأضواء منها إذا ما ظهرت في (الحارة) فتاة جميلة أخرى...
ثم عادت عبير بعد ثلاثة أيام إلى العمل، دون أي تثاقل من ارتداء الثياب الضاغطة الأشبه بالضمادات، لشدة فرحها بأن ليس بعد هذا الضيق إلا الرخاء المغموس بثقة الأنثى ورشاقتها التي طالما حلمت بشيء منها طيلة عقدين ونيِّف.
أما صديقتها التي لم تكمل تعليمها الجامعي، فقد بدأت مخاوفها تتحقق مع مرور الأسابيع والشهور ومع اقتراب ثبات نتائج الجراحة التي أجرتها عبير. ألا يكفي أنها ليست جامعية؟ أوتصبح أقل جمالا أيضا؟ هذا ما لا يمكنها قبوله ولا التعايش معه.
لم تكن أكثر ترددا منها لا بل أكثر حماسا؛ وفي عيادة أخرى، خضعت صديقتها إلى جراحة تجميلية لأنفها الذي لم يكن يعيبه طول ولا قصر. ولكن تنقصه القدرة على الإقناع بأنه الأنسب لتقاسيم وجهها البريء الذي يحلم دائما بأن يظل الأجمل والأكثر إشراقا، على الأقل إلى حين يبعث الله النصيب...
لم يكن يملؤها شيء في تلك اللحظات كما كان يملؤها الأمل والشوق لترى نفسها ملكة تتفوق بجمالها على عبير التي ستصبح العروس الأكثر أهمية في (الحارة) حين تزهو بشهادتها ورشاقتها وأخلاقها الحسنة. لكنها لم تكن تعلم أبدا أن الجراح الذي أفرط في برد أنفها قد ترك لها أنفا سرجيا مشوها تمنت لو أنها أسلمت الروح لبارئها قبل أن تراه.
كان من المتوقع أن تبقى أسيرة في منزل أبيها الذي لم تكن الواقعة عليه أهون كثيرا منها على ابنته. ولكنها زادت على ذلك بأن أسرت نفسها في غرفتها الصغيرة إذ لم تكن لتحتمل نظرات الشفقة والاستهجان التي تنهال عليها من أعين أهلها. ولا لتحتمل عبارات المواساة التي كان أثرها عكسيا تماما، فقد كانت تتمزق كلما أدركت الفارق الكبير بين ما يجاملها به أهلها وبين ما تصرخ به المرآة.
عبير التي لم تعتد على غياب جارتها أصبحت أكثر انطلاقا، وحبا للظهور. وازداد عشقها (للمشاوير) أكثر. ولكن تنقصها تلك الجارة التي كانت دائما رفيقتها في أيام السمنة القاسية. فطرقت الباب تسأل عما وراء هذه القطيعة؟ فكان الجواب أنها "تبيت في بيت خالتها التي وضعت مولودها البكر؛ تعينها على القيام بواجب الضيوف والمهنئين"...؟!
لم يكن غريبا أن يكون الجواب ستارة على واقع مؤسف، لكن ما كان غريبا أن الأيام والأسابيع توالت وهذه الخالة لم تتعافَ...؟!
وجاء العريس الرابع عشر إحصائيا، والأول رومانسيا، وهذه الخالة لم تتعافَ بعد. فحضرت حفلَ الخطوبة كلُّ بنات الجيران إلا واحدة "خالتها وضعت مولودها البكر منذ شهور وما زالت قيد التعافي"...
حتى أخو عبير كان واحدا ممن افتقدوا هذه الغائبة، بل ربما أكثرهم؛ إذ كان قد عقد العزم على التقدم لخطبتها بعد أن جمع من المال ما يظن أنه سيغطي الجزء الأكبر من تكاليف الخطبة. وكان يسترق النظر إلى المدخل عسى أن يلمحها في دخولٍ أو خروجٍ؛ فمن المؤكد أنها ستكون في قمة الأناقة حيث عيون المدعوات ستتصفح كل الوجوه سواء لاختيار عروس لأحد أبنائهن، أو من باب "العلم بالشيء" في حال سألت إحدى القريبات عن عروس لابنها.
أصبحت الحاجة الآن ملحة للسؤال عن هذه الغائبة، تحت وطأة الإلحاح المتواصل على عبير وأمها، فلم يعد  السؤال للاطمئنان فقط بل وللتلميح لخطبتها أيضا، وهذا ما جعل الصفعة أقوى...
قـَصَّت عبير على أخيها القصة بأسف. واستمع إلى تفاصيلها بألم، إذ يجب عليه الآن أن يمحو بضع سنين من أفكاره وآماله.  حتى اسم (الدلع) الذي أضمره في نفسه ليناديها به عندما تصبح زوجه وأحبه لبضع سنين لم يعد صالحا...
لماذا فعلت بنفسها ما فعلت وقد كانت في عينيَّ أحلى وأجمل صبايا الحي؟ بل لماذا لم أدركها أنا قبل أن تهوي؟ لماذا كنت أجمع المال لأجلها، وهي تبدد جمالها لأجل لا شيء؟ هل كان أهلها ليقبلون بي بلا مال؟ أم هل لأهلي الآن أن يقبلوا بها بلا جمال؟ أم هل أقبل بها أنا بلا قناعة، وبلا رضى؟
ربما كنت أنا المخطئة يا أخي حين اصطحبتها معي لعيادة التجميل أول مرة. لقد ظنَّت أن يد الجراح وأدواته كعصاة سحرية في يد ساحر؛ تحيل السمين نحيلا، والقبيح جميلا. صحيح أن أيدي الجراحين طالما كتبت نهاياتٍ لمآس ٍ دامت من الزمان سنين، وأنا آخر الشاهدات على ذلك، لكن بنت الجيران لم تكن تعلم أن هذه الأيدي ربما تكتب أيضا بدايات لمآس يعلم الله كم من السنين ستدوم.  على كل حال، فإن جراحا "شاع عنه أنه ماهر" سيقوم بإعادة الجراحة وتصحيح أنفها؛ سيأخذ أنسجة من غضاريف الأضلاع ويرزعها في الأنف، ولكن ليس لأحد أن يتنبأ بالنتيجة.
سأتمنى لها الشفاء يا عبير، لكن مهما تكن نتيحة الجراحة فهي لن تكون لي. صحيح أن كل النفوس تواقة للجمال، وأن التجمل أول مطلوب في الحياة، ولكن لكل شيء مقدار، ولكل مقام مقال، ووالله إن العمل الجيد إذا نزل في غير موضعه لمضر كالعمل السيء إذا نزل في موضعه.
سيجري القدر يا أخي مجراه. فما أصابها ما كان ليخطئها. ولعلها أدركت الآن أن من عبث بما لا يعبث به، أفسد ما قد أكرم به.
 
 



تشرين الأول 2017 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
30123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031123
45678910

اخر الأخبار

المستشفى التخصصي يدعم حملة افحصي وطمنينا

دعم المستشفى التخصصي حملة سرطان الثدي افحصي وطمنين...

انطلاق فعاليات المؤتمر العاشر لجمعية جراحي الكلى والمسالك

أقيم في فندق حياة عمان فعاليات المؤتمر العاشر لجمع...

المؤتمر الصحفي لإطلاق الحملة العربية الموجدة للتوعية حول سرطان الثدي 2017

تحت رعاية صاحبة السمو الملكي الاميره غيداء طلال ، ...
عرض المزيد

النشرة الدورية