Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

تسنيم


مع كل إشراقة شمس، تبدأ تسنيم، المسؤولة عن مراقبة ومتابعة قيافة الموظفين والموظفات، جولتها التفقدية بصرامتها المعهودة، ونظراتها الثاقبة بعيدة المدى، التي لا تكاد تطلقها من مدخل القاعة حتى تقع على "غـُرَّة" في آخر القاعة غير موفوعة كما يجب، أو ربطة عنق غير مشدودة بإحكام...
 
كانت الموظفة، الأنيقة جدا،  تحضر نفسها لحفل الزفاف الذي تحدد موعده بعد عشرة أيام على زميلها الذي فشلت كل صبايا القسم بالإطاحة به. وعلى كل حال فهي تتقن فن القيافة والأناقة قبل أن تسلـِّط الإدارة سيف تسنيم على رقاب الموظفين...
 
بدأت تتسلل إلى ملامحها آثار التعب والإرهاق التي يخلفها الجهد الذي تبذله يوميا في شراء حاجياتها وتجهيز العروس التي ستكونها بعد أيام معدودة. فكانت تغادر قبل انتهاء الدوام لتكسب وقتا أطول في السوق؛ فأمامها الكثير من المعاينات والمشاورات قبل أن تحظى أي قطعة بشرف رضاها والقبول بها...
 
اختارت مع عريسها بطاقات الدعوة، التي كانت أشبه بقطع فنية رائعة التصميم والجودة، وعلقت واحدة منها على لوحة الإعلانات في المكتب لتدعو زملاءها جميعهم دعوة عامة لحضور حفل الزفاف الذي سيقام في فندق "خمس نجوم" تحلم الصبايا عادة أن "يلبين دعوة" لحضور حفل زفاف فيه، وقليلات اللواتي تجمح أحلامهن ليرين أنفسهن عرائس في قاعة من قاعاته... 
 
وعلى قدر انشغال العروس بترتيبات عرسها شبه الأسطوري كانت الزميلات مشغولات بـ"سيرتها"، بل ربما أكثر منها قليلا؛ فمنهن من شعرن بالغبطة وبعضهن تملكهن الحسد، وواحدة مزقها الغيظ شر ممزَّق، وفعل بها ما لم يفعله بأحد من قبل...
 
كانت الشمس تشرق ثم تغيب مسرعة وكأنها فرس جامحة في فلاة، ويتلو اليومَ يومٌ آخر في توالٍ سريع، وأخذ يدنو موعد العرس بتسارع جميل، حتى صار على مرمى أيام تكفي أصابع يد واحدة لعدها. والعروس تسابق الأيام لتنجز ما عليها إنجازه. وذات صباح تقدمت بإجازة مرضية تذكر فيها شعورها بألم في حلقها وصداع متكرر وحمى تحول بينها وبين التحاقها بالعمل...
 
وفي جلسة من جلسات النميمة اليومية، التي تتمحور حول العروس الغائبة دون أدنى شك، تناولت الفتاة المغتاظة  قضية تغيـُّب العروس وشرعت بتحليلها بطريقتها البوليسية المنقطعة النظير، زارعة ً في صدر تسنيم بذور شك مهرمنة ومعدلة جينيا جعلتها تؤمن بأن العروس تتعذر بإجازة مرضية كاذبة من أجل الذهاب إلى السوق وجمع أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ملقية أعباء القسم على كاهل زميلاتها دون أدنى شعور بالمسؤولية..!! ثم رتبت لزيارتها مع تسنيم وبعض الزميلات، لا لتطمئن عليها، ولكن لتقول لها بأن "حركاتها مكشوفة" و أن غيرها كان أشطر...
 
ربما لم يشعرن بصدمة من قبل كما شعرن عندما وجدن أنفسهن أمام عروس لا تشبه العرائس، فأمر مرضها لم يكن كذبة البتة، فقد ازدادت حالتها سوءا، فضعف جسمها وتناقص وزنها، وأصابها الجفاف، وظهرت بقع زهرية اللون على جسمها، وأصبحت تهذي؛ فلم يكن هناك بدٌّ من تأجيل حفل الزفاف حتى إشعار آخر...
 
كان الذهول مسيطرا على زميلاتها، وفشلن جميعهن بتهدئة أم العروس التي لم يجفّ لها جفن منذ أن رأت ابنتها الوحيدة تذبل أمام عينيها يوما بعد يوم. فكانت تديم البكاء والدعاء لابنتها بالشفاء ثم تختم دعائها فتقول: العين اللي صابتها يا رب ردلها الصاع صاعين...
 
أما أهل العريس فرأوا أن وجه العروس شؤم عليه، وأن "المكتوب مبين من عنوانه" وكانت أم العريس في صدارة الجبهة، تتملكها القناعة بأن هذه العروس "مش وجه نعمة" معلـِّلة رأيها بأن "الوحدة ممكن تتعب، تدوخ، ينزل ضغطها، بس مش تطلع كل أمراض العيلة قبل العرس بيومين"...!! وعلى كل حال كانت ترى أن كل ما يمكن معرفته قبل الزفاف خير من المفاجأة بعده، وأن هذه العروس ليست من نصيب  ابنها، وتعهدت بأنها ستزوجه ست البنات...
 
غير أن العريس كان له موقف مختلف تماما؛ فحبهما الآن موضوع على المحك. ولم تراوده أبدا فكرة التخلي عنها. بل كان دائم التواصل مع الطبيب الذي أجرى لها الفحص السريري التفصيلي، والتحليلات المخبرية. وقام بأخذ عينة دم من العروس المريضة وتحليلها، وأخضعها لاختبار معروف باسم (فيدال) ليجزم بعدها أنها مصابة بالتيفوئيد الذي تسببه بكتيريا السالمونيلا التي تدخل إلى الأمعاء عبر الفم وتتكاثر في الطحال والكبد وتنتشر في الدم وتنشر سمومها فيه...
 
ظلَّ شعوره بالحب والمسؤولية يدفعه نحو عروسه المريضة الراقدة على سرير الشفاء، قاطعا على نفسه عهدا أن يبقى عاكفا في المشفى لا يغادرها إلا وعروسه معه. فكان يتابع ما يصف الطبيب لها من المضادات الحيوية والفيتامينات، وحقن السوئل المحتوية على البوتاسيوم والصوديوم والبروتين. ومع أنه أوجس في نفسه خيفة عندما احتاج الطبيب للكورتيزون، إلا أنه بدا متفائلا، وكأنَّ أملا جديدا بالشفاء قد ولد...
 
دخلت العروس أسبوعها الثالث من معركتها مع حمى التيفوئيد الحامية الوطيس، وبدأت بشائر النصر تلوح لها في البعيد، فأخذت درجات الحرارة بالتراجع وراحت الحمى تجرجر أذيال الهزيمة خلفها وتمضي...
 
ووفى العريس بعهده، وخرج مع عروسه من المشفى تعانق ذراعه ذراعها. وسط فرح عارم في أهل العروس، وندم دفين في نفوس أهل العريس الذي فشلوا في رد ابنهم عن حبيبته أيما فشل، وما زادهم سعيهم إلا إصرارا عليها وتعلقا بها.
 
عادت العروس إلى حيويتها، وأعادت مع عريسها تحديد موعد جديد للزفاف. وأعادا طباعة بطاقات الدعوة، وعلقت إحدى البطاقات من جديد على لوحة الإعلانات في صدر المكتب لتدعوا الزميلات والزملاء وليعلم الحاضرُ منهم الغائبَ.
 
كان الحفل مطابقا للمواصفات والمقاييس التي تتمناها كل فتاة في عرسها؛ إذ لم ينجح أحد من المدعويين في إيجاد ثغرة فيه كما جرت العادة عند حضور حفلات الزفاف؛ وكأن الناس يدعون لنقد الأجواء، لا ليشاركوا العريس والعروس فرحة الإعلان للعالم بافتتاح مملكتهما الجديدة...
 
حضر هذا الحفل جميع الزملاء والزميلات إلا واحدة، تلك التي كانت الأكثر غيظا وكيدا. ولكن العروس حملت في قلبها شيئا من العتب لأنها لا تعلم ما تخفى الصدور...
 
وظلَّ ناقوس العتب يدق في نفسها من حين إلى حين، تسكته في أغلب الأحيان سعادتها وانشغالها بزوجها الذي منح شهر العسل وسامَ استحقاق لاسمه...
 
لما عادت العروس لتلتحق بعملها من جديد سألت عن زميلتها المتغيبة عن العرس والعمل؛ فأخبروها أنها أصيبت بعدوى التيفوئيد..!! وكانت في صراع مع السالمونيلا التي كانت أشد حنقا وعنفا، حتى كبـَّدتها تقرحات حادة تضاعفت بشدة محدثة ثقوبا قي جدران الأمعاء، فأدى ذلك إلى تدفق محتوياتها في البطن مسببة تلوثا خطيرا جعلها تخسر المعركة أمام عدوان السالمونيلا؛ فأسلمت الروحَ لبارئها...
 



كانون الثاني 2017 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
31123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031123
45678910

النشرة الدورية